محمد محمد أبو ليلة
76
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
وداخل في عموم التحدي . وهذا التحدي ثابت للبشر إلى قيام الساعة . وعبارة " هذا القرآن " في الآية ، لا تقتصر في الإشارة على بعض القرآن ؛ وهو الجزء الذي كان محمد صلى اللّه عليه وسلم قد تلقاه عن اللّه ، وإنما تشير أيضا إلى القرآن كله ؛ وقد نوهنا فيما سبق أن لفظة " قرآن " ، تطلق على الكل وعلى الجزء ، وهو مما غاب عن الكاتب إدراكه . ومن الجدير بالإشارة إليه هنا ، أن معنى قوله تعالى : ( وتفصيل الكتب ) هو القرآن نفسه ، فصّل أولا تنجيما وتنزيلا ؛ ثم إقراء وتثبيتا ؛ وأخيرا تفسيرا وتبيينا ، وعملا وتطبيقا ؛ وينبغي ملاحظة قول اللّه تعالى : ( وتفصيل الكتب ) ، إذ إنه لم يقل " وتفصيل القرآن " ، وهو الأوضح ، وذلك تجنبا لتكرار كلمة " قرآن " في مثل هذه المساحة الضيقة ، حفاظا على جمال الأسلوب ؛ وأيضا فإن استخدام كلمة " كتاب " ، بدلا من " القرآن " أنسب للسياق ، إذ أن عبارة ( تصديق الّذى بين يديه ) تشير إلى كتب اللّه السابقة ، فناسب أن يأتي بعده بعبارة " وتفصيل الكتب " ولكن أنى للكاتب أن يصل إلى درجة الفقه في كلام اللّه تعالى ، وإلى معرفة معانيه التامة وأسراره الجمّة . يشير ويلش في نهاية حديثه عن كلمة " كتاب " في القرآن ، إلى هذه الآية : الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ( 1 ) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 2 ) ( يوسف : 1 - 2 ) ؛ ليس في الآية خصوص وعموم ، وإنما فيها تلوين وتنويع في الخطاب القرآني ، فآيات الكتاب المبين هي مجموع القرآن ، وعددها ( 6236 آية بالعد الكوفي ) . وقول اللّه تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لا يعنى بحال أنه كان يوجد قرآن أعجمي ؛ وإنما معناه أن اللّه تعالى أنزله بهذه اللغة ، وهي أفصح اللغات ، وأظهرها ، وأوسعها ، وأغزرها ، وأغدقها ، وأروقها ، نزل القرآن وهو أشرف الكتب وأكملها ، على أشرف رسول ، وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم ، بسفارة أشرف الملائكة وتلقينه ، جبريل عليه السلام ، وأنزله في أشرف البقاع مكة والمدينة ؛ وابتدأ نزوله في أشرف ليلة هي ليلة القدر والتقدير ؛ وأنزله ابتداء في أشرف شهر هو شهر رمضان الكريم ، الذي أفرده اللّه تعالى دون سائر الشهور بذكر اسمه صراحة في القرآن .